الجوهري

11

الصحاح

فتشعر أن التزام الألف في هذه الآيات في أواخر الفواصل قد جعل من هذا النظم العالي أدبا عاليا وفنا رفيعا ، هذا شئ من دلائل الاعجاز في لغة التنزيل العزيز ، وبمثل هذا يشعر قارئ سورة الشمس حين يقرأ من قوله تعالى : والشمس وضحها ( 1 ) والقمر إذا تلها ( 2 ) والنهار إذا جلها ( 3 ) والليل إذا يغشها ( 4 ) أو يقرأ في سورة الضحى : والضحى ( 1 ) والليل إذا سجى ( 2 ) ما ودعك ربك وما قلى ( 3 ) وإنك لتقف الموقف نفسه ، حين تنتقل إلى سورة تلتزم فيها القافية ، على نحو محكم أشد الاحكام ، كما في سورة المدثر ، في قوله تعالى : يا أيها المدثر ( 1 ) قم فأنذر ( 2 ) وربك فكبر ( 3 ) وثيابك فطهر ( 4 ) والرجز فاهجر ( 5 ) ولا تمنن تستكثر ( 6 ) ولربك فاصبر ( 7 ) وقد يتأتى الغرض الفني في الأسلوب القرآني بغير هذه الفواصل المسجوعة ، وذلك أن يقصد إلى ضرب من التناسب الذي يحقق الغرض ، ألا ترى في قوله تعالى في سورة الانسان : إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا ( 4 ) أنهم قرأوا " سلاسلا " بالتنوين ، فقال المفسرون : قرئ بتنوين ( سلاسل ) ووجهه أن تكون هذه النون بدلا من ألف الاطلاق . . . ولا أرى أن هذا التوجيه النحوي مقنع مفيد ، والذي أراه أن حرص المعربين على الاخذ بالتناسب سهل عليهم تنوين غير المنون ، إخضاعا له ليكون مناسبا لقوله " أغلالا وسعيرا " وكلاهما منون ، وأن تجئ الآية على هذا النسق من التنوين أوقع لدى طائفة من القراء . ومن هذا ما جاء في السورة نفسها : وأكواب كانت قواريرا ( 15 ) قواريرا لقد قرئت بترك تنوينها ، وهو أمر يخدم التناسب الذي أشرنا إليه ، وهو الأصل - أيضا - وقرئ تنوين الأول خاصة بدلا من ألف الاطلاق ، لأنها فاصلة ، وتنوين الثانية كالأولى اتباعا لها ، ولم يقرأ أحد بتنوين الثانية وترك الأولى . وهذه القراءات تثبت أن الحرص على التناسب أساس فيها . ومن المفيد أن أشير أن الجهابذة البلغاء قد درجوا على هذا النهج في أدبهم ، فكانت لهم عناية بالقافية والفواصل والتناسب ، وإليك مما كتبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فقال : " أما بعد فإن الانسان يسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه ، فلا تكن بما نلت دنياك فرحا ، ولا بما فاتك منها ترحا ، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويؤخر التوبة بطول أمل ، وكأن قد ، والسلام " .